أزمة الديموقراطيات العربية

1d2702ea-7074-4960-a69e-6781d7fbebe2.jpg

نشأت عبر العصور العديد من النماذج الديموقراطية في العالم بأشكال وأنظمة مختلفة. وعلى الرغم من أن الهدف الأساسي الظاهر لجميع هذه الأنظمة هو تمكين الشعب من اختيار القادة، فإن الأساس الحقيقي هو اتفاق بين الطبقة السياسية الحاكمة لمنع أي جهة كانت من احتكار الحكم والسلطة المطلقة. فعلى سبيل المثال، يعمل تبادل الأدوار في أغلبية مجلس الشيوخ والنواب في الكونغرس الأميركي على ضبط صلاحيات الرئيس، ومن النادر جداً أن يكون لحزب أي رئيس أغلبية في المحليين. ويعمل النظام بشكل مشابه في بريطانيا وفرنسا وأغلب الدول الديموقراطية.
ومن الطبيعي أن تتعرض هذه الأنظمة إلى نكسات وأزمات، كما حصل عندما أفرزت الانتخابات الألمانية الحزب النازي وهتلر الذي لا يؤمن بالديموقراطية نتيجة الأزمة الاقتصادية في الثلاثينات، وكذلك نتج عنها تخلي بريطانيا عن عضوية الاتحاد الأوروبي نتيجة ملل الشعب من التنافس بين الأحزاب، وأخيراً ما حصل في أميركا، الذي ما زال يسبب انشقاقاً في المجتمع الأميركي، حيث إن %75 من مناصري الحزب الجمهوري لا يعترفون بنتيجة الانتخابات بزعم تزويرها. إلا أن هذه الأنظمة أصبحت حالياً متأصلة وقادرة على تصحيح نفسها بسبب التوازن الذي تحافظ عليه القوى السياسية، والتي تعمل عموماً على تحقيق مصلحة الدولة، وإن كان بطرقها الخاصة.

أما في العالم العربي، فيبدو واضحاً أن التجارب الديموقراطية تمر بأزمة كبيرة. ومن هذه النماذج نجد أن تونس ولبنان يمثلان نموذجاً تشمل فيه العملية الانتخابية كلاً من المنصب الرئاسي والحكومة التنفيذية. وفي كلتا الحالتين، وإن كانت الأسباب مختلفة، نجد أن مؤسسة الحكم تعاني من شلل كبير مما يؤدي إلى تردٍّ كبير في إنجازات الدولة والخدمات المُقدمة للشعب وانهيار الاقتصاد، ويزيد الوضع اللبناني سوءاً الفساد الكبير المتفشي في النظام والتدخلات الخارجية. ولا يبدو حالياً أن النظام في أي من الدولتين قادر على إصلاح نفسه.

أما النموذج الثاني فتقتصر فيه الديموقراطية على النظام البرلماني، مع وجود حكم ثابت ومستقر كما هو في الكويت والأردن، وإلى حدٍّ ما في مصر. وهنا وعلى الرغم من كون النظام في الكويت نجح في الاستمرارية منذ إقرار الدستور الكويتي في عام 1962، وقدرته على التأثير بشكلٍ مشهود له على الصعيدين الإقليمي والعربي، فإن هذه المؤسسة الديموقراطية تعاني حالياً، وكذلك عانت التجربة الأردنية من مشاكلها نتيجة اختلالات في النظام الانتخابي، الذي ما زالت تسيطر عليه الفردية والنزعة القبلية.

وفي هذا النموذج يتطلع الشعب في الأغلب إلى النظام الحاكم كضمانة لعدم انحراف الديموقراطية (أو شبه الديموقراطية) عن مسارها حين يعجز الشعب عن البت في الأمر.

أما ما تبقى من الأنظمة العربية فلا يمكن تصنيفه بأي مقياس ضمن المقاييس الديموقراطية، وإن كانت هناك انتخابات.

إن وجود الديموقراطية واستمرارها في أي دولة يحتاجان إلى العديد من العوامل والتوازنات التي تضع خطوطاً حمراء يُتفق عليها بين جميع القوى السياسية، كما يحتاجان إلى وعي شعبي يصحح مسار الحكم بناء على المصلحة العامة والخاصة في الوقت نفسه، وهذا غير ممكن في المجتمعات العربية حالياً بسبب التأثيرات الجانبية على عملية اختيار ممثلي الشعب، ومنها القبلية والطائفية وغيرهما.