أمي تجهز عمامتي!

أريج السنان.jpg

(الأدب فضلوه على العلم)... مَثل متوارث من زمن، فيه تقدير للأدب ومكارم الأخلاق، فالأخلاق سلوك قبل أن تكون علماً، فلا شك أن يكون طلبةُ العلم أكملَ الناس أدباً، وأن يدركوا أهمية الأدب والأخلاق، وأنه مقدّم على العلم، قال الإمام مالك بن أنس: (كانت أمي تجهز عمامتي وأنا صغير قبل ذهابي لحِلق العلم، فتقول: يا مالك خُذ من شيخك الأدب قبل العلم)؛ فالأدب والأخلاق تصون العِلم وتُهذّبه، وكثير من أهل العلم آثروا الأخلاق قبل العلم، وحرصوا على تعليم أولادهم وطلبتهم الأدب... فساهم أدبهم ورفعة خلقهم في إبداعهم وتوسعهم العلمي، ونشره وتوصيله إلى كل طبقات المجتمع.

ونحتاج اليوم إلى أخذ شيء من أدبهم وهديهم، فقد انتشر في وقتنا الحاضر مَنْ يُقبل على العلم ويصد عن الأدب، ترى بعضهم يجمع ويكدّس المجلدات والكتب وينشغل دوماً بالشراء وتنظيم رفوف المكتبة، وقد لا يقرأ إلّا القليل، وإن قرأ لم يفهم المراد! ومما ورد عن العلامة الخطيب البغدادي قوله: (وقد رأيت خلقاً من أهل هذا الزمان ينتسبون إلى الحديث، ويعدون أنفسهم من أهله المختصين بسماعه ونقله، وهم أبعد الناس مما يدعون، وأقلهم معرفة بما إليه ينتسبون... يرى الواحد منهم إذا كتب عدداً قليلاً من الأجزاء، واشتغل بالسماع برهة يسيرة من الدهر، إنه صاحب حديث على الإطلاق، ولما يجهد نفسه ويتعبها في طلابه، ولا لحقْتهُ مشقة الحفظ لصنوفه وأبوابه).اهـ

وذلك مما كان في زمانهم، ولو التفتنا اليوم إلى طلبتنا وفي بعض المعلمين أيضاً أنهم لا يملكون من الأخلاق إلّا ما ندر، فتعلم الأدب قبل العلم ضرورة ينبغي أن يركز عليها المعلم حتى يقتدي به الشباب، وعلى الأهل تربية الأبناء بالجمع بين الأدب والمعرفة؛ وعلى الجهات التربوية أن تهتم بهذا الجانب، لإخراج جيلٍ لديه من الأخلاق ما يحميه من الوقوع في الزلل ويدفعه إلى حب العلم والعمل، وكما يقول أحد الصالحين: «نحن إلى قليل من الأدَب أحوجُ منا إلى كثيرٍ من العلم».