رؤية حول الفكر التنويري

إن عصر التنوير أعتمد على عدد من القوائم الأساسية، كما أبرزها أحد المؤرخين، التي يمكن تلخيصها في النقاط التالية: أولا: إن العقل هو الأداة الوحيدة التي لا تخطئ في سعيها للوصول للحقيقة، وأعتمد أرباب هذا الفكر على أن الحواس هي الخطوات الأولى التي من خلالها يبدأ الإنسان إدراك الظواهر الطبيعية التي يفسرها العقل في ما بعد لتمثل الحقائق، فالحواس هي الوسيلة والعقل هو الغاية في تفسيرها. ثانيا: إن العالم من حولنا يسير بخطى ميكانيكية لا يستطيع الإنسان أن يغيرها، وأن العقل هو الأداة الأساسية التي تسمح له بأن يتفهمها ويدركها مع مرور الوقت، ورغم أن هذه الفكرة باتت مؤكدة له فإن أرباب هذا العصر أختلفوا في تناولهم للدين ودوره، فمنهم من رفض أن يؤمن بالدين أستنادا للعقل الذي يضع الإنسان في مصاف المخلوقات . إن الدين الإسلامي بالذات لم يكبل حرية الفرد ويقيدها، بل بالعكس حرر الانسان من الأغلال التي كانت تقيده كما حرره من عبودية الأوثان وعبودية الآخر ” ولا يتخذ بعضنا بعضا أرباباً من دون الله ” على أن في الفكر التنويري جوانب يمكن أن نتبناها. جاء القرآن ليقول. أن أعمال العقل فريضة وعبادة. مجتمعاتنا في حاجة ماسة اليوم إلى فكر التنوير لعبور أوضاعها المتردية وحلول الماضي لن تجدي نفعاً، إن الفكر التنويري لا يجد بيئة حاضنة . الأديان السماوية كلها رسالات تنويرية للانسان لانتشاله من الظلمات والضلالات المحيطة به، جاءت هادية لعقله ومنيرة لضميره ومهذبة لسلوكه كما في (الوصايا العشر) وجاءت رسالة الأسلام خاصة تثير العقل البشري للتفكير والمراجعة للموروث من العادات والتصورات، جاءت لقوم أبرز صفاتهم أنهم يقدسون أسلافهم ويتمسكون بمواريثهم ولا يعملون عقولهم فيها، جاء القرأن ليقول أن أعمال العقل فريضة وعبادة وأن التقليد والأتباع – من غير تبصر – قصور وأهمال وعجز، وكانت دعوة الأسلام دعوة لتحرير الشعوب من سلطتين متحكمتين: السلطة السياسية والسلطة الدينية، وعندما قال القرأن الكريم ( لا اكراه في الدين ) فانه أعلى من شأن عمل العقل في الأختيار. السؤال المطروح هل عرفت حضارتنا الفكر التنويري؟ وهل الدين يناقض التنوير؟. التنوير؟ إن ما تعانيه مجتمعاتنا من ظواهر التطرف الديني والمذهبي والتعصب والعنف والكراهيات المتبادلة كل ذلك في تصوري يرجع إلى تهميش فكر التنوير عن منابر التوجيه والتثقيف، ومن ناحية أخرى فان الفكر التنويري لا يجد بيئة حاضنة ولا سنداً ولا دعماً في الوقت الذي يجد الفكر المناوئ للتنوير منابر وفضائيات ومنتديات وجماعات وأحزاب تدعمه وتروج له وتشحن قلوب وعقول الناشئة والشباب بفكر الكراهية للأخر وتقديس المراجع الدينية والأيدلوجية التابعة لها. .قبل قرن كانت النخب الثقافية والسياسية منشغلة بسؤال النهضة الكبير: لماذا تقدم الغرب وتأخرنا واليوم نخبنا منشغلة بفتاوى وأطروحات التطرف المذهبي وصراعات الهويات الضيقة. أن المعرفة ليست تاريخاً للشعوب بقدر ما هي قوانين ثابتة ، ومؤكداً أيضاً على تعدد الثقافات وليس على وحدانية الحضارة ، وفي نفس الوقت فإنه يرفع لواء العقل والعاطفة والجسد والروح والفنون والعلوم، والطبيعي والمصطنع ، ومتبنياً لكل عوالم الإبداع الثقافي والفلسفة والعلوم ماراً بالأدب والقانون والفن التشكيلي. ورغم أستمرار عناصر قوة الدفع التي أتت بفكر التنوير وعصره والتي أمتدت لحقب أطول أكثر من عصر النهضة وعصر الرومانسية الذي تلا هذه المرحلة الفكرية، فإن أثر عصر التنوير في الثقافة والفن لم يدم طويلاً رغم منطقيته وسلامة أعمدته الفكرية، وفي التقدير إن السبب الأساسي لذلك يكمن في تجاهل العناصر الإنسانية التي تمثل أهمية خاصة للإنسان بأعتباره كائنا عاطفياً لا يلتزم في كل وقت بالمنطق، ولا يتقيد بالعقل في كل تصرفاته، وهو ما فتح المجال أمام ظهور الحركة الرومانسية لتواجه هذا التيار وجفافه الإنساني، فليس بالعقل وحده يسعد الإنسان . !