طاقات شبابية.. والإبداع.. من أين نبدأ؟

90005a71-932c-48f2-b542-905e0f82ba0b.jpg

بما أننا نعيش في هذه الحياة أدواراً مختلفة وأحياناً مختلطة على أمل انتظار القادم الأجمل فكلنا  
(بانتظار غودو) وهي  مسرحية تستلهم الوجع الإنساني وتحتفي بالذي  لا يأتي، نظل ننسج الآمال والقصص والحكايات في فصول حياتنا بانتظار هذا الغامض الذي سيأتي ومعه خلاص لمشكلاتنا، باعتقادي أن (غودو) هم الشباب المبدعون حيث يعيش داخل كل مبدع درجة من الشغف بانتظار شيء ما، وهذه الدراما الإنسانية كفيلة بأن تدفعنا للأمام في الحياة.  
قرأت ذات مرة أن سقراط كان همّه اليومي هو التساؤل فقد كان يلقي أسئلة لا تنتهي على كل من يقابلهم، فهو يسعى إلى أن يتعلم من الآخرين ما كان يزعم أنه تعلمه، وهنا عدم ركونه إلى وجهة واحدة في التعاطي مع البحث الخلاقّ عن أجوبة لأسئلته الكثيرة عن الحياة جعلته مختلف، فبداخله إنسان مبدع لا يهدأ ، وهذا ما يجب أن نفعله، وهو تهيئة الفرصة للشباب المبدعين وعدم سجنهم وتقييدهم بقوانين المجتمع وبالأحكام المسبقة.  
ومن خلال هذه المقدمة التي تحدثت عن ظروف الشباب وما يجول بداخلهم وان كان شيئا موجزا إلا أنه يوضح طرحاً عاماً عن آمال وآلام شباب  الغد،  ولأن عنوان القضية قد أتى بصيغة سؤال متمثلا بعبارة مباشرة وهي:  
طاقات شبابية والابداع …من أين نبدأ؟  
نبدأ من ابداعات الشباب من ناحية  
(الفرق بين الابداع والعبث) حيث تقاس الدول المتحضرة بمدى اهتمامها بالشباب، فهم ثروة الوطن والذراع الثالث للتنمية في البلد، فالشباب مساهمتهم كبيرة في رقي مجتمعاتهم وتطورها، والشاب المبدع هو الذي لديه القدرة على النظر للأمور بطريقة مختلفة، ورؤية مغايرة، من أجل البحث عن حل للمشكلات بطريقة مبتكرة وجديدة، منطلقاً من مكونات الابداع وهي العمل الإبداعي، والعملية الإبداعية،  والموقف  الإبداعي،  بمعنى التعامل مع الأشياء المعتاد عليها بطريقة غير  عادية، والمجتمع هو ما يعزز هذا الأبداع ويستفيد منه.  
والشباب المبدع الرائد في أعماله وابتكاراته في مختلف المجالات الإبداعية، سواء كانت علمية ، ثقافية، اقتصادية، اجتماعية، رياضية، يحتاج إلى من يحتضن ويهتم بإبداعه أياً كان.  
قرأت ذات مرة أن الفنان الاسباني “سلفادور دالي” كان يعمل لأيام دون نوم ، ثم ينام لأيام أو حتى أسابيع ، كان أحياناً منتجاً وأحياناً أخرى كان يبيت بياتاً شتوياً فقط ولا يفعل شيئاً ، ولو أخضعنا “دالي” إلى المعايير الاجتماعية التي نحكم على الشباب من خلالها ، وطلبنا الحكم عليه من خلال سلوكه سيقول البعض إن طريقته في التعامل مع نفسه فاشلة ، وسيتساءل كيف يبدع وهو لا يستغل وقته جيداً ، ولكن الحقيقة أن دالي كان متفهماً لنفسه جيداً ، وعندما تدق لحظات الإبداع ، يبدأ بالعمل في الوقت الذي تشتهيه نفسه دون وضع أي اعتبارات ، فهو يفهم نفسه ، ويفهم متى يحتاج أن يعمل ، ومتى يحتاج أن يرتاح ، هنا يأتي فهم المبدع الشاب لذاته وكيف يطرح نفسه في بورصة الابداع.   
ونلاحظ أن هناك خلط بين الابداع الحقيقي والعبث، فالإبداع الحقيقي هو انعتاق من كل شيء إلا المعنى، والعبث يخلو من المعنى وإن كان محركه الرغبة الإبداعية، فهو ينطلق من طاقة بلا هدف ، أو طاقة لا تجد أفقاً حقيقياً لتحقيق المعنى.  
احياناً يكون العبث  مقيدّ بقيود أخرى ليس منها قيد  المعنى،  وهذا يقودنا الى سؤال  آخر،  ما هو المعنى؟ فالمعنى هو انطلاق من تصور أفضل للعالم وحياة الانسان.  
فشخصية الشاب العميقة أقرب للإبداع، والشخصية السطحية أقرب للعبث.  
فالإبداع يحتاج الى عقول مستقلة وقادرة على التفكير والخروج من الصندوق والجرأة في الطرح ، أما العبث ينشأ نتيجة التبعية في التفكير واستسهال الأمور وعدم المسؤولية.  
والواقع أن هناك تحديات كثيرة  
(ماذا نستطيع أن نفعل)،  وعوائق تحول بيننا وبين الاستفادة من الشباب  المبدعين،  وأكثر  هذه التحديات التي تبرز من خلال غياب السياسات  
والاستراتيجيات والخطط العامة المتكاملة التي تهدف إلى تطوير منظومة المبدعين، وعدم وجود تشريعات في النظام، واختلاف الاهتمامات والأولويات وخاصة بين جهات التشريع وجهات التنفيذ، وعدم وضع أنظمة خاصة بالإبداع، واعتماد الاستراتيجية للمبدعين، وإنشاء هيئة وأكاديمية لهم.  
بالإضافة الى ضعف المردود المالي من الابداع، وغياب الحوافز للمبدعين.  
وأمام كل هذه التحديات نطرح سؤالاً، ماذا نستطيع أن نفعل لهؤلاء المبدعين؟ نحن نستطيع أن نفعل الكثير لمواجهة هذه التحديات وأوجز بعض الحلول كالآتي:  
1- توفير الدعم بمختلف اشكاله من المعنوي والمادي إذا كنا فعلا جادين ومؤمنين بإبداعات الشباب وانطلقنا للعمل بدلا من التنظير فحسب.  
2- التدريب والصقل المهني والأكاديمي.  
3- التشجيع والتحفيز بمختلف اشكاليهما وتبن ي الطاقات الإبداعية المميزة.  
في أسوأ الأحوال يجب ان لا نكون نحن كمجتمع حجر عثرة في طريق الابداع الشبابي “هذا بالنسبة لمن لم يستطيع توفير الدعم.”  
4-رفع قيمة العلوم  الإنسانية  والآداب،  ومنح بعثات في هذا المجال بقدر ما نحتاج الى الابتعاث للجامعات المتقدمة لدراسة الهندسة والعلوم الطبيعية والطب.  
وبناء على ما  سبق،  نحن نعلم أن شبابنا يمتلكون من الطاقات والابداعات ما يؤهلهم للوصول للعالمية، ولكن ماهي فرص الابداع التي أمامهم؟! بمعنى   
(ماذا يحتاجون -وماذا نريد منهم).. هذا السؤال كبير بحجم طموحنا نحوهم ونحن نعلم أن الاهتمام بالشباب المبدعين هو اهتمام بالإنسان باعتباره قيمة عليا بالمجتمع له الدور الكبير في بناء الوطن وتطوره. لذلك يحتاج الشباب المبدعون منا الى رعاية تمكنهم  
من تنمية طاقاتهم وهذا يتطلب وجود خدمات متكاملة تتجه إلى اكتشاف المبدع وتطويره، وهنا يأتي (دور المدرسة ... والأسرة ... والمجتمع) ومن هذه الخدمات: 
– إقامة مسابقات دورية أو معارض علمية خاصة بالمبدعين نستطيع من خلالها معرفة، المبدعين واعمالهم الابداعية. 
– تشكيل لجنة من المختصين في النواحي العلمية ومن  البارزين،  مهمتها تقويم العمل الإبداعي لدى المبدعين الشباب في مختلف المجالات. 
– افتتاح اكاديميات للمبدعين في جميع المجالات. 
– تنمية شخصية المبدع من خلال رعايته والعناية  به،  وتوفير الخدمات  النفسية،  والتربوية ،  والصحية، والاجتماعية.  
لذلك يأتي دورنا وحاجاتنا تجاه هؤلاء الشباب، فماذا نريد من المبدعين؟ نحن نريد منهم ما يتوافق مع حاجة المجتمع وما يتناسب مع قدراتهم من توظيف طاقاتهم توظيفا إيجابيا نحو الابداع والجهد الخلاقّ. واحساسهم بأهمية ما يقومون به لمستقبلهم ومستقبل اوطانهم.  
وختاماً.. من حق الوطن أن يستفيد من إبداعات الشباب ويجني من خيراتهم، كما أن من حق الشباب المبدع على وطنه أن تهي ئ له الأسباب والبيئة الصحية ليبدع وينتج ، ومن حقنا كمجتمع الاستمتاع بأي إبداع من شبابنا، فهذا يعزز من الانتماء لدى الجميع وهو بمثابة رابطة وعهد بين الشباب المبدع و بين مجتمعه.