من هو المسيء الحقيقي؟ 

شاهدت وسمعت الضجة الإعلامية التي حصلت مؤخرا ضد حكومة وإعلام فرنسا وذلك باتهامهم بدعم الرسومات الكاريكاتيرية المسيئة لرسولنا الكريم ونحن نصلي ونسلم عليه تسليما، وللأمانة لم أطلع على هذه الرسومات لكن خلال بحثي وجدت أن صحيفة شارلي إيبدو الفرنسية التي اتهمت رسوماتها مؤخرا بالإساءة ضد ملة محمد، وهي ليست سابقة لها بعد ما نشرته في عام 2015، فقد سبق أن تناولت رسوماتها الكاريكاتيرية السخرية ضد المعتقدات اليهودية والمسيحية والبوذية والتي ترتب عليها تجاذبات متعددة خلال العقدين الماضيين بين حرية الرأي والتعبير وحرمة السخرية من الأديان ورموزها المقدسة، إلا أن هذه الصحيفة تتبع أسلوب السخرية ضمن حرية الرأي التي يتضمنها القانون الفرنسي، وما علينا إدراكه مما سبق أن الصحيفة لم تمارس العنصرية ضد ملة محمد إنما مارست رأيها وفق ثقافة فرنسا المجتمعية بما تم الإسناد إلى ملة محمد من الموروثات البشرية ومن المتطرفين المقيمين في أوطانهم أو في فرنسا، خاصة أن هذا المجتمع ينتشر فيه الإلحاد كمجتمعات غربية أخرى، لكن وفقا لثقافة مجتمعاتنا التي تتبع ملة محمد صلى الله عليه وسلم فقد تربينا على تقديس سير الأنبياء والرسل، فالتاريخ عندما سجل جرائم الاحتلال الفرنسي ضد الجزائر من قمع الآلاف بمدينة سطيف وقالمة وخراطة والإبادة الجماعية التي سماها المؤرخون بالرازيا، وعندما سجل جرائم الحروب والخلافات المستمرة بين حكومة إسرائيل وبلدان الشام منذ عام 1945، لم نسمع ولم نر من الإعلام العربي أو من هذه الشعوب المتضررة الإساءة إلى النبي عيسى عليه السلام أو النبي موسى عليه السلام أو أسند إلى ملتهم أنهم يمثلون الإرهاب.

لكن من جانب آخر لم أجد الانتفاضة ضد الإرهابيين والمتطرفين الذين أساؤوا للرسول الكريم عندما تاجروا بملته وحللوا قتل النفس التي حرمها الله ومارسوا العنصرية ضد كل من لم يتبع ملتهم وجعلوا من المرأة عورة ناقصة عقل وجارية لغرائز الرجل ثم أتى الغرب وحكموا على ملة محمد من هؤلاء! ولم أر المبادرة من الحكومات الإسلامية في إرسال برقيات التوجيه والإنذار إلى حكومة فرنسا في ضرورة احترام حرمة الأديان من خلال إعلامهم بما بدر منهم مؤخرا كما نفعل نحن وأن رسولنا الكريم منزه عما ينسب إليه من تجار الدين وأتباعهم وانهم يدينون المجرم الذي نحر الصحافي، فلعل وعسى من خلال هذه المبادرة تتخذ الحكومة الفرنسية خطوة تجاه تقييد حرية الإعلام الساخر ضد حرمة الأديان بدلا من أن تتخذ موقف العناد تجاه الغضب العدواني للمسلمين ضد اختلافهم مع ثقافة فرنسا الإعلامية وإصرار الرئيس الفرنسي على دعمها . وأخيرا يا قارئي الكريم انظر إلى قول الله تعالى مخاطبا رسولنا الكريم عندما تعرض للسب والاستهزاء خلال دعوته للإسلام في هذه الآيات الكريمات: «وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ»، «فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ، «وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ  إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ  إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا»، يأمرنا الله تعالى في آياته المبينات بالصبر والإعراض عن الذين يستهزئون بالرسول وبآيات الله، فما بال الكثيرين الذين يجحدون بهذه الآيات ويأتون بأفعال المجرمين؟

Kuwait City, Kuwait

Contact

Follow

©2017 BY AL3ONWAN - ALL RIGHTS RESERVED

Address