يرونها عبر نظارات...!

منى الوهيب.jpg

الاختلاف مصدر للثراء والتجديد والصقل والإبداع والنمو، ونحن بحاجة إلى كل ذلك. الاختلاف والتنوع في إطار الوحدة، من أكبر حقائق هذا الوجود، فنحن مختلفون على مقدار ما نحن متفقون، الاتفاق يمنحنا إمكانات هائلة للتعاون والبناء المشترك.

بيننا اختلافات نفسية وعاطفية وعقلية، وكل هذا يمنح المشروعية للاختلاف في كثير من الأمور.

نحن نعترف بالاختلاف، لكنه أحياناً يتحول إلى صراع، وذلك لأن الناس لا يرون الحقائق القائمة على ما هي عليه، أو بعيون مجردة، وإنما يرونها عبر نظارات وأغشية من ثقافتهم وفهمهم واهتمامهم، لذا فإن كثيراً من الخلاف يقع حيث نوقن أنه لا خلاف. لذا فلا بد أن نعترف أننا حيال التفاصيل الدقيقة، لا بد مختلفون، وعلينا أن نحاول تأطير الخلاف وتمحيصه، لنصل إلى حالة من التحديد المتدرج للنزاعات، وبَلوَرة أسس فضّها وتجاوزها.

في الحقيقة لا بد أن نختلف، ولكننا نستطيع أن نؤطر الخلاف، ونجعله موضوعياً ومنتجاً ومحدوداً، من خلال عدد من الإجراءات منها: الثقة في عون الله - تعالى - لنا وأن يخطط الإنسان لاستغلال موارده مهما كانت محدودة، فبذلك يتمكن من تقليل الآمال التي يعقدها على الآخرين إلى أدنى حد في تجنب الصراع، حيث يقل عتبه على الآخرين، كما تقل خيبة أمله فيهم. ومن أجل تقليل الاحتكاك بالآخرين، فإن على المرء ألا يسرف في إعطاء الوعود للآخرين، فيجعلهم يتوقعون منه أشياء، لا يستطيع الوفاء بها. علينا في هذا الصدد أن نحرص على الوضوح التام، وأن نقلل إمكانات اللبس إلى أقل ما يمكن، ولنتذكر أن الوعد الذي نقطعه على أنفسنا، يرتب علينا مسؤولية شرعية، وأن من علامات المنافق أنه إذا وعد أخلف. لنبحث دائماً عن الحلول بدل أن يكون دأبنا إلقاء اللوم على الآخرين، إن البحث عن حلول، يعني تأجيل الصراع، كما يعني إيجاد نوع من الضمان لعدم تجدد أسبابه، على حين أن لوم الآخرين لا سيما إن كثر يدل على أن هناك أخطاء في العلاقات على مستوى المبدأ والنظام.

وفي الختام، لتكن لدينا قناعة نؤمن بها ونُسيّدها في حياتنا، بأن ليست هناك مشكلة ليس لها حلول، فقد رتّب الله - جل وعلا - هذا الكون على أساس احتفاظ أنظمته بنهايات مفتوحة، حتى إن البدن حين تسوء حالته إلى الحد الذي لا تتحمله الروح، فإنه يعطيها المسوّغ كي تتخلص منه. هناك دائماً حلول، لكن حين تكون المعطيات سيئة، فإن علينا ألا نتوقع حلولاً جيدة، المهم أن نكتسب الخبرة التي تساعدنا على الوصول إلى أفضل الحلول الممكنة، وحين لا نجد حلاً فورياً لاعتبارات موضوعية، فإن علينا أن ندير تلك المشكلة حتى نعثر على الحل الملائم. إذا لم يمكن الوصول إلى حلّ مناسب، فإن من الممكن الاستنجاد بالوقت، وتأخير المواجهة لعل الزمن يكون جزءاً من الحل. ولكن علينا أن ننتبه إلى أن التأجيل المتكرر قد يؤدي إلى تأزيم المشكلة، ولذا فتأجيل البحث ليس لطمس المشكلة، وإنما للاستفادة من فرصة جديدة لحلها.