يستغرق الحياة كلها...!

منى الوهيب.jpg

إن الصراع من أجل تحقيق هدف سامٍ يعني وجود مسوغات للوجود. والإنسان الصادق مع نفسه يكون في صراع دائم من أجل تحقيق أهدافه، بل إنه لا يجد نفسه، ولا يحسّ بفعاليته إلا من خلال هذا الصراع، ولن نجد وقتاً أفضل من شهر رمضان لنجاح ذلك الصراع في تحقيق أغراضه.
غالبية الناس وضعت خطة استراتيجية لشهر رمضان لتحقيق عدة أهداف منها: الروحاني الإيماني، الثقافي، الصحي، الاجتماعي، وغيرها. ولنجاح ذلك الصراع في تحقيق أغراضه لا بد أن تكون حركة الإنسان اليومية عبارة عن انشغال لا صلة له بداخل الإنسان، بمعنى أن يكون صراعه عبارة عن استثمار مثمر لطاقاته الداخلية، واستجابة لكينونته الذاتية. كما أنه لابد أن يكون شعور الإنسان أن ذلك الصراع يلبي أشواقه الروحية نحو الخلود والاستمرار الأبدي، وأن تكون أهداف صراعه غير قابلة للنفاد والاستنزاف مهما طال الزمن، وعظم العمل في سبيل تحقيقها.
وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال العبودية لرب العالمين والسعي إلى الفوز برضوانه ودار كرامته، ولن نجد أفضل من بيئة شهر الرحمات لتحقيق ذلك الصراع، وإثبات العبودية لرب العباد.
هذا المشروع العظيم يستغرق الحياة كلها، فلا تقل بلغت العشرين أو الثلاثين أو الأربعين أو فوق ذلك وقد أهدرت الوقت والأيام فيما مضى لا وقت الآن للانشغال بمشروع عظيم يحتاج الحياة كلها، على نحو يشمل الأنشطة الخيرية كافة، حيث يشعر الإنسان أنه في حالة من العبودية كلما قام بعمل خيّر، وذلك أكثر من أن يحصىٰ.
لا تجعل رمضانك سهراً في الليل ونوماً بالنهار، بل نم مبكراً من أجل الاستيقاظ قبل الفجر، تناول السحور، صلي ركعتين، اجعل لك ورداً من القرآن، استغفر الله، اذكر الله بالأذكار المطلقة، اجعل لك في كل يوم تمريناً رياضياً لتقوية الجسم، ابتسم في وجه كل من يمر عليك أو تصادفه بالأماكن العامة أو في العمل، إماطة الأذى عن الطريق من أعظم الأعمال التي تحقق مشروعك العظيم، كل ذلك وأشياء أخرىٰ كثيرة، أنشطة يومية تعمر الدنيا وتدني المؤمن من الوصول إلىٰ هدفه الأسمىٰ. وهي جميعاً جزء من المشروع العظيم الذي التزم المسلم بأدائه ما دام حياً.
يحتاج الإنسان كي يبقى علىٰ شيء من حيويته إلىٰ أن يعيش بين مجموعة من التناقضات. هذه التناقضات تمثل الهوة الفاصلة بين الموجود والمطلوب. والجميل في هذا أن المسلم يفعل كل ذلك وهو يشعر بالفرح والسرور، لأن ذلك يرضي الله - تعالىٰ - ويشعره بالنجاح في مغالبة المثبطات والملهيات، وهذا هو المشروع الوحيد الذي يستنفد العمر دون أن ينجز، ومن ثم صاحبه لا يشعر بشيء من الفراغ، بل يشعر أن المطلوب أكثر من الموجود.
المشكلة في هذا أن كثيراً من الناس انحسر لديه مفهوم العبادة ليقتصر على بعض الشعائر، وبعضهم لم يحسن توزيع أنشطته بشكل جيد على كل جوانب مشروعه. ومنهم من فقد الفاعلية المطلوبة لتجسيد المبادئ في واقع ملموس.
وعلى كل حال فإن المسلم هو الإنسان الوحيد القادر اليوم علىٰ الانشغال بمشروع عظيم متناسق مع معتقده ورؤيته الكونية، ابدأ من اليوم بتصور لمشروعك العظيم ونفذه بعد عرضه على قدراتك وإمكاناتك ونقاط قوتك، وضاعف أجورك في شهر ليس كمثله شهر، شهر العطايا والرحمات، شهر المغفرة والعتق من النيران، شهر ميّزه الله عن باقي الشهور، فيه أنزل القرآن، وفرض الصيام، لا تفوتك الأجور بشهر الكنوز.
عاد ضيفنا..
فأحسنوا ضيافته..
اقضوا فرائضه وأدوا سننه وجددوا فيه التوبة... ولا تتوانوا فإن ضيفنا عجول.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَشِّرُ أَصْحَابَهُ:
( أَتَاكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ).
مبارك عليكم الشهر.