الوقفة الاحتجاجية الإلكترونية

من اللوحات المنتشرة عالمياً، المقترنة بحكمة إصلاحية أممية، تلك التي تُظهر عدداً من الاقطاعيين الأغنياء وهم يلعبون لعبة الاحتكار (Monopoly)، بعد أن فرشوها على ظهور مجموعة من الفقراء الجالسين في حالة ركوع. وغالباً ما تُذيّل اللوحة بمقولة «عندما ينهض الشعب، تنتهي اللعبة».
خطورة هذه المقولة تكمن في أنها تستخدم في الدول النامية من غير تأطير النهوض والحراك بضوابط وموجهات الوعي، ولا بمبادئ وممارسات الإصلاح الرشيد. ولذلك نجد أن الكثير من الاحتجاجات في الدول النامية لم ينهِ لعبة الاقطاعيين، بل جدّدها ولكن بتشكيلة مختلفة من اللاعبين، ومن بينهم القدامى الذين عادوا بقناع الإصلاح. في المقابل، الاحتجاجات في الدول المتقدمة غالباً نتائجها إصلاحية وتنموية.
تذكرت هذه اللوحة - والمقولة المقترنة بها - عندما قرأت مشاركات عدد من الشخصيات العامة في الوقفة الاحتجاجية الإلكترونية - قبل أسبوع - في الموقع الافتراضي لساحة الإرادة في «تويتر». حيث إن هذه الوقفة الافتراضية لم تختلف في سماتها عن الاعتصامات الواقعية التي سبقتها. فهي ما زالت تستهدف بانتقائية فساد شرائح محددة من المسؤولين وأصحاب القرار في الدولة، وتتغاضى عن فساد شرائح أخرى، بل إنها ما زالت تحتضن في صفوفها مجموعة كبيرة من سرّاق المال العام ومعاونيهم المتسترين عليهم، ومن قامعي الحريّات وشركائهم الخانعين لهم. ولذلك هذه الوقفات الاحتجاجية المتتالية، وبرغم كثرة الإصلاحيين الوطنيين المشاركين فيها، غير مؤهلة لانهاء لعبة الاقطاعيين وإزالتها من على كاهل المواطنين. لأنها رهينة لاعبين اقطاعيين قدامى يسعون لاسترجاع مقاعدهم في اللعبة.
المطالبات في الوقفة الاحتجاجية الافتراضية كانت متنوعة من حيث الاستحقاق والأهلية. فكانت بينها مطالبات مستحقة رشيدة صادرة من قبل نشطاء مؤهلين لتبني ملفات الإصلاح، وفي مقابلها مطالبات استعراضية متنافرة مع سيرة مقدّميها بدرجة مستفزّة. وسأكتفي هنا بالإشارة إلى تغريدتين استفزازيتين من نائبين سابقين هما الدكتور حسن جوهر والدكتور فيصل المسلم، المتناقضتين مع ارثيهما البرلمانيين.
الدكتور جوهر الذي دعا في تغريدته إلى «وقفة غضب ضد تكميم الأفواه»، رغم كونه أحد النوّاب الذين وافقوا على تشريع قانون المطبوعات والنشر، الذي يتضمن: «مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد ينص عليها قانون آخر يعاقب رئيس التحرير وكاتب المقال أو المؤلف: 1) إذا نشر في الصحيفة ما حظر في المادة (19) بالحبس مدّة لا تتجاوز سنة واحدة وغرامة لا تقل عن خمسة آلاف دينار ولا تزيد على عشرين ألف دينار، أو بإحدى هاتين العقوبتين». وما حُظر في المادة (19) كان سبباً للحكم بسجن الكثير من المغرّدين، ولا يزال عدد منهم في السجون أو خارج البلاد تفادياً لتنفيذ عقوبة السجن، فضلاً عن كونه سبباً لتكميم أفواه شرائح واسعة من المغرّدين والكتّاب والباحثين والمفكّرين والمحاضرين.
أضف إلى ما سبق، أن الدكتور جوهر صوت لصالح تشريع قانون الإعلام المرئي والمسموع، الذي يتضمن المحظور نفسه وبالعقوبة ذاتها. بل إنه كان أحد الأعضاء البارزين في لجنة شؤون التعليم والثقافة والإرشاد، المطبخ البرلماني الذي أعد مسودتي القانونين المذكورين.
وأما مشاركة الدكتور المسلم فكانت تغريدة استفزازية نصّها «الدول لا تُدار بالانتقام»، وهو الذي - عندما كان يشارك في إدارة الدولة كمشرّع - صوّت لصالح قانون إعدام المسيء، فضلاً عن كونه أحد المشاركين البارزين مع الدكتور جوهر في تشريع القانونين المذكورين.
لذلك، لا يليق بالدكتورين - ومن في حكمهما - استنكار القيود على الحريّات، لأنهم فرسان تشريع قوانين كمّمت الأفواه. ولا يمكن لوقفات احتجاجية يتقدمها هؤلاء الفرسان أن تؤدّي إلى تعزيز الحريات، أو أنهاء لعبة الاقطاعيين. لأن أقصى مؤدّاها تجديد اللعبة مع عودة بعض اللاعبين القدامى... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».

Kuwait City, Kuwait

Contact

Follow

©2017 BY AL3ONWAN - ALL RIGHTS RESERVED

Address