داء العُنصرية!

إكتسبت حادثة مقتل المواطن الأميركي جورج فلويد على يد شرطة مينيابوليس طابعاً عالمياً هائلاً ، حيث ضجّت العديد من الدول بالمظاهرات المناهضة للعنصرية، ممّا فتح النقاش مجدداً حول إحدى أهم القضايا المتأصلة.. منذ الخليقة!
إن التعامل مع مجموعة من البشر بشكل مختلف وتبرير ذلك مرض مُستشري في غالبية المجتمعات -بنسبة أو تناسب- ، ويبقى الجدل حول كيفية العلاج؟
لقد سجّل التاريخ المُنصِف أن نبي الرحمة وسيد البشر مُحمد ﷺ أعظم من حارب العنصرية وأسقط كل الحواجز، فجمع بين سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي وأبي ذر العربي، وهو القائل: أيها الناس! إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوىٰ!.
في العقود المُنصرمة نجحت العديد من الدول المتحضرة بمحاربة هذا الداء لأنها آمنت بمنح كل ذي حق حقّه، وثقّفت شعوبها لاحترام مكونات مجتمعاتها، وطبّقت القوانين بدون تمييز، ولا تزال محاولاتها مستمرة رغم الأحداث المتواترة بين الفينة والأخرى!
لقد عانى السُّكان السُّود الأصليين في جنوب أفريقيا وقبائل الزولو من ويلات الفصل العنصري "الأبارتايد" الذي سنّت قوانينه لتقسيم الأفراد إلى مجموعات عرقية، وتم إعتبار أفراد الأغلبية السوداء كمستوطنين، كما حصل سابقاً مع الهنود الحمر في أميركا، مما أجبر الزعيم الراحل نيلسون مانديلا على دفع 27 سنة من حياته في سجون جزيرة روبن وبولسمور وفيكتور، حتى خرج منتصراً، واستمر في نضاله من خلال قيادته للمؤتمر الوطني الأفريقي، وانتُخب كأول رئيس أسوَد عام 1994 ، ثم تولّى بنفسه ملف تنظيم بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2010 كأول بلد أفريقي ينظم الحدث الرياضي الأضخم!
ونُشير إلى نجاح النموذج السويسري بمحاربة العنصرية وجمعها بين الإتحاد والتعددية بعد قلاقل وعُنف، فهي -أي سويسرا- لم تكن بالأصل أمّة واحدة منذ تأسيسها عام 1848، بل جماعات عرقية ألمانية وفرنسية وإيطالية ورومانية، بأربع لغات، وخليط من الأديان والمذاهب والطوائف، بروتستانت وكاثوليك ولوثريين ولادينيين، بتطلعات وعادات وتقاليد مختلفة!
وقبل عقود زُرت سنغافورة، آسيا الجديدة، ورابع أهم مركز مالي، والبلد المتربع على قائمة الإقتصاديات الأكثر تنافسية واستقرار سوق العمل، ورأيت أعراقاً صينية وهندية ومالاوية، فأخذني الفضول لسؤال أحد المواطنين: كيف هو تعايشكم في ظل تباينكم؟ فأجابني: نتفهم بعضنا وتحكمنا العدالة!
وهكذا الحال في العديد من الدول التي توافد أهلها من خلال هجرات متتالية، بما جعل كل مجتمع محلي مزيجاً من الأعراق، والمساقي، والمشارب، والمنابت، والعقول، والإتجاهات، والأفكار، والعواطف،
فتُعلّق الآمال -بكل لحظة- على المُخلصين من أبناء الوطن الواحد ليكونوا على أهبّـة الإستعداد لحماية أمنهم الإجتماعي، والدعوة للإستظلال بشجرة تجمع كل من على أرضهم، وتشييد جُسور المحبة والتلاقي، واحترام الآخر، وأصالة العيش المشترك، إيماناً منهم بقيمة بلدهم وتماسكه ووحدته، وأن العنصرية.. مقبرة الحضارات!

 

Kuwait City, Kuwait

Contact

Follow

©2017 BY AL3ONWAN - ALL RIGHTS RESERVED

Address