مؤشر واقعنا!

أصدرت منظمة الشفافية الدولية في الأسبوع الماضي مؤشر مدركات الفساد العالمي عن العام 2019، وقد حصلت الكويت على أربعين درجة من مئة في مؤشر مدركات الفساد لتأتي في المرتبة 85 عالمياً بعد أن كانت في المرتبة 78 في العام 2018، هذه النتيجة المتوقعة تبين لنا واقعنا المؤلم العاجز عن مواجهة الفساد الذي تغلغل في مفاصل الدولة وتؤكد بما لا يدع مجالاً للشك بأن الدولة «للأسف» باتت ترعى الفساد وتحميه!
لقد تحول الفساد خلال السنوات الأخيرة إلى نهب منظم لثروات الوطن، في ظل سيطرة تامة للفاسدين والمفسدين على مفاصل الدولة وتحكمهم بالقرار، مستفيدين من ترسانة القوانين المقيدة للحريات التي ضربت أهم مقومات محاربة الفساد في أي بلد وهو حرية التعبير والرأي العام أو الرقابة الشعبية، فعلى الرغم من تصريح رئيس مجلس الوزراء الذي دعا فيه المواطنين لتقديم بلاغات عن شبهات الفساد إلى هيئة مكافحة الفساد، إلا أن المواطن يعاني من انعدام الثقة بينه وبين هذه الحكومة التي تحاسب المواطن على الكلمة وتسجنه بسبب رأي، فكيف لمواطن أن يثق بحكومة لاحقت قضائياً نائباً يتمتع بحصانة برلمانية بسبب كشفه لشبهة فساد تحت قبة عبدالله السالم؟ كيف يثق بأن هذه الحكومة ستحميه حال كشفه عن شبهات فساد؟
لم ولن أستغرب من تراجع الكويت في مؤشر مدركات الفساد، فبعد فضائح الفساد الأخيرة نهاية العام الماضي المتهم فيها كبار مسؤولي الدولة لم يحرك مجلس الأمة -السلطة الرقابية- ساكناً، بل وجدنا نوابه منشغلين في قضايا الاختلاط في الجامعة وتغريدات وزيرة الشؤون الجديدة، هكذا هو حالنا وواقعنا اليوم للأسف؛ فساد مستشر وبرلمان ضعيف عاجز، بل مسلوب الإرادة ومرتهن القرار للحكومة وحلفائها، لذلك فمن الطبيعي أن نشهد هذا التراجع في مؤشر مدركات للفساد، بل في جميع المؤشرات العالمية.
نحن اليوم أمام هذا الواقع السيئ، لكن هذا لا يعني الاستسلام والخضوع للواقع، بل يجب علينا أن نحاول بكل ما نملك العمل على تغيير هذا الواقع، فالفساد بات يهدد معيشتنا وحياتنا اليومية، فها هي الحكومة تعلن قبل أيام عن عجز ملياري في الميزانية، ما يعني استنزافها للاحتياطي العام للدولة عاماً بعد عام، ولم تخف الحكومة نيتها التوجه لجيوب المواطنين البسطاء لتعويض ذلك العجز وتسديد فواتير الفساد عبر تعديل سلّم الرواتب أي تخفيض الأجور وفرض ضريبة القيمة المضافة على السلع، لذلك فإن تغيير واقعنا ومكافحة هذا الفساد المستشري بات واجباً وطنياً على كل مواطن شريف.
بداية علينا أن نعترف بوجود المشكلة وتغلغلها، فليس من المنطقي أن نحارب هذا الفساد ونحن لا نعترف بوجوده، ولا يعقل أن تخرج لنا إحدى جمعيات النفع العام المتخصصة في النزاهة ومكافحة الفساد لتنفي وجود هذا الفساد - الواضح - وتبرر تراجع مرتبة الكويت في مؤشر مدركات الفساد العالمي بسبب حرية الرأي والتعبير وثقافة النقد ونشر قضايا الفساد في الإعلام! فهل المطلوب هو السكوت ولفلفة قضايا الفساد؟ «، ولا من شاف ولا من دري» كما يقول المثل، نعم يجب الاعتراف بوجود المشكلة ويجب أن نبدأ بوضع الحلول العملية التي ترتكز على إطلاق الحريات العامة وتفعيل الرقابة الشعبية، ثم تطوير المنظومة السياسية ليتحقق مفهوم الأمة مصدر السلطات عبر نظام ديموقراطي يوفر تمثيلاً حقيقياً لإرادة الشعب ويمكن البرلمان من أداء دوره الرقابي من خلال محاسبة الفاسدين والمفسدين بجدية، فيتم تطهير أجهزة الدولة من العناصر الفاسدة ونبدأ شيئاً فشيئاً بإعادة الكويت إلى مكانتها الطبيعية، وهكذا نغير واقعنا المؤلم لنصل لمستقبل أفضل بإذن الله... وغير هذا «مقصة في مقصة»!

Kuwait City, Kuwait

Contact

Follow

©2017 BY AL3ONWAN - ALL RIGHTS RESERVED

Address