إنها الدنيا

قبل سنوات قليلة في إحدى جامعات أيرلندا كان هناك طالب عربي يبحث عن مكان للصلاة فيه، الشاب المتدين كان في أول يوم لدراسته بتلك الجامعة، وحينما تم إرشاده إلى مكان المصلى الذي أنشئ داخل الجامعة وجد هناك شيخاً آسيوياً جالساً في المسجد، وبعد أن اكتمل الصف أقيمت الصلاة، التفت هذا الشاب حوله ثم تقدم منافساً ذلك الشيخ الآسيوي نحو إمامة المصلين، كان يرى في نفسه الجدارة للإمامة.
بعد أن انتهت الصلاة تقدم الشيخ الآسيوي إلى هذا الشاب وجلس أمامه ووضع ركبته لتلامس ركبة ذلك الشاب، سلّم الشيخ المسن على الشاب ورحّب به ثم سأله إن كان يعرف قصة هذا المصلى، أثار هذا السؤال فضول الشاب، فطلب المعلومات.
قال الشيخ الآسيوي: تعود قصة هذا المصلى إلى أربعين سنة ماضية، كنت ما زلت شاباً في الثلاثين من عمري أعمل في قسم العلاقات في هذه الجامعة، فكرت أن أجد مكاناً لأصلي فيه فكتبت كتاباً إلى رئيس الجامعة ذكرت فيه عدد المسلمين في تلك الفترة وحاجتهم لمكان يمارسون فيه عبادتهم وأرفقت بالكتاب إمضاءاتهم على الطلب، ولكن المدير رفض، لم يكن في ذلك الوقت أحد يتعاطف أو يتكلم عن حقوق الآخرين، لكنني لم أيأس واستمرت محاولاتي، أكثر من مرة، لطلب مقابلته، ولكني فشلت، بعدها شكّلت وفداً من أجل تحقيق حلم المقابلة، معظم هؤلاء الذين شاركوني ذلك الجهد انتقلوا الآن الى رحمة الله، وأخيراً وافق المدير على اللقاء.
ولكن اللقاء كان سلبياً ولم ننجح في إقناع الرجل، وأعدنا المحاولة مرات وبعد سنتين من الجهد المتواصل فكرنا أن ننقل القضية إلى سلطة أعلى، وخاطبنا المحافظ وشكّلنا وفداً وقابلناه ولم يكن الأمر سهلاً فقد استغرق منا الوقت سنتين إضافيتين للموافقة على مقابلته والتي لم تكن ايضا مشجعة أبداً، لكننا لم نيأس وخاطبنا أعضاء المجلس المحلي المنتخبين فرداً فرداً وقمنا بدراسة سيرتهم الذاتية لمعرفة كيف نتواصل معهم، استمر جهدنا بالتواصل مع الأعضاء المحليين سنة كاملة حتى أقنعنا بعضهم بدعمنا أمام المحافظ وهذا ما حصل.
وبعد جهد جهيد وافقت الجهات المحلية على السماح لنا بإنشاء موقع صغير للصلاة في داخل الحرم الجامعي استغرق هذا الجهد منا ما يزيد على سبع سنوات، ثم بدأت المرحلة التالية بعد أن تم تخصيص المكان الصغير لنا وهو كيفية بنائه كمصلى فقمنا بحملة تبرعات استغرقت ثلاث سنوات من أجل إنشاء هذا المصلى الذي تراه، ومنذ ثلاثين عاماً وأنا أؤم المصلين في هذا المصلى الذي أتقرّب به إلى الله في كل صلاة، ختم الشيخ قصته قائلاً؛ سرّني اليوم أن أجد مَنْ يساعدني على الإمامة، كانت دموع الشاب قد ملأت عينيه وهو ينصت الى تلك القصة التاريخية التي حطّمها هو بلحظة واحدة.
قصة واقعية تعكس مقدار خسارتنا بالتسرع وأخذ الأمور من دون تروٍ، واليوم ونحن جالسون في بيوتنا وقد أُغلقت كل أماكن الانشغال بسبب فيروس كورونا، اليوم نحن بحاجة إلى أن نجلس مع أبنائنا وبناتنا نحكي لهم تاريخ بناء الكويت ومقدار الجهد الذي بذله الآباء والأجداد وكذلك المخلصون من كل بقاع الأرض، الذين ساهموا في تطوير بلدنا.
الكويت الجميلة لم تسقط من السماء هكذا، كانت هناك صفحات مضيئة كتب سطورها المخلصون، واليوم أيضا تُفتح صفحات يكتب فيها الشباب تاريخهم حتى لا ينساه الجيل المقبل.
إنها الدنيا كما نتعلم منها تُعلمنا، السعيد منا مَنْ يتعلم منها ويقبل أن تُعلمه.

Kuwait City, Kuwait

Contact

Follow

©2017 BY AL3ONWAN - ALL RIGHTS RESERVED

Address