عودة «حرب الناقلات» برسائل تصيب الملف النووي الإيراني


عادت «حرب الناقلات» إلى الساحة الدولية، بعدما كانت انحسرت منذ عامين.

فها هي إيران تواجه الولايات المتحدة من خلال حليفتها الأوروبية، اليونان، التي تسعى واشنطن إلى دفعها في وجه طهران

إلا أن هذه الجولة من الصراع في «الممرات» تختلف عن سابقاتها، لأن الرسالة الإيرانية لا تقتصر على ناقلة نفط واحدة أو اثنتين، بل أن طهران ترد على مجريات التفاوض حول الملف النووي أيضاً، لترفع منسوب التشنج إلى مستوى أعلى، ويمكن أن تتصاعد فيه الأمور أكثر مما تبدو عليه اليوم.

ففي 19 أبريل الماضي، احتجزت أثينا، قبالة جزيرة ايفيا، ناقلة النفط الروسية «بيغاس» لتغير اسمها إلى «لانا» بالتزامن مع إعلان وزارة الخارجية الإيرانية، ان السفينة تابعة لـ«الجمهورية الإسلامية»، رغم بقائها تحت العلم الروسي.

وتم احتجاز الناقلة التي تحمل 115 ألف طن من النفط الإيراني، بناءً على طلب أميركا، بحسب ما أعلنت السلطات اليونانية، ونقلت محتوياتها إلى سفينة أخرى تحمل علم ليبيريا ليتم تسليمها إلى الموانئ الأميركية.

واعتبرت طهران يومها أن هذا العمل «يُعد انتهاكاً للقوانين الدولية وعمل قرصنة لأنه لا يحق لأي سلطة قضائية مصادرة الحمولة وإعطائها لدولة أخرى تحت أي ذريعة كانت».

ولم يتأخر الرد الإيراني الذي جاء سريعاً باحتجاز قوات الحرس الثوري، سفينتي نفط يونانيتين «دلتا بوسايدن» و«برودنت وريور»، وهذا ما رفع أسعار النفط إلى 119 دولاراً للبرميل ليزداد العبء الاقتصادي العالمي وتضطرب الأسواق المضطربة أصلاً بسبب ما أنتجته الحرب في أوكرانيا من عقوبات غربية على روسية واشتداد الطلب على الغاز والنفط.

ولكن ماذا يوجد خلف هذه العمليات وأساليب القرصنة المتبادلة، خصوصاً ان أسلوب إيران بالرد سابقاً كان أظهر تصميمها على رد الضربة بمثلها عندما أوقفت في يوليو عام 2019 الناقلة «ستينا إمبيرو» التي ترفع العلم البريطاني بعدما اعترضت لندن، ناقلة إيرانية قبالة سواحل جبل طارق؟

انتهت المفاوضات المتعلقة بالملف النووي في فيينا، ولم يعد هناك أي نقطة للبحث في شأنها، سوى القرار الأميركي السياسي برفع اسم الحرس الثوري وكل متعلقاته عن لائحة الإرهاب.

وهذا ما لن تفعله الولايات المتحدة (بسهولة) كما سرب بعض مسؤوليها للإعلام، من انه لا يمكن لإيران فرض شروط لا تتعلق بالملف النووي، وأن الحرس الثوري موجود على لائحة الإرهاب بسبب سلوكه وأعماله ودعمه حلفاء طهران، وهو ما يتعارض مع مصالح واشنطن وحلفائها وعلى رأسهم إسرائيل.

وتبع الترويج لهذه المبررات، تصريح وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، الذي أكد أن بلاده ستتشدد حيال أي «تهريب غير قانوني» للنفط الإيراني.

بالإضافة إلى ذلك، فرضت واشنطن عقوبات على روسيا وإيران بعدما اتهمتهما بالتعاون «لتهريب النفط» وبيعه.

إذاً لا يوجد مكان للصدفة في ممرات المياه الإقليمية والدولية، والتسريب الأميركي بأن الإدارة هي التي تضغط على اليونان، ليس فقط لاحتجاز النفط الإيراني، بل بنقله إلى باخرة أخرى وإرساله إلى الولايات المتحدة.

وكذلك رد إيران، الذي كان متوقعاً انطلاقاً من تاريخ «حرب الناقلات» سابقاً.

إلا أن هذا يدخل في صلب الرسائل المتبادلة بين واشنطن وطهران في ما يتعلق بالملف النووي.

فأميركا مقتنعة بأنه يتوجب عليها الإفراج عن كل الأموال الإيرانية المجمدة وإطلاق يدها في تصدير ملايين البراميل يومياً (لحاجة الأسواق المتعطشة ورغبة أميركا بتخفيض سعر النفط لأسواقها الداخلية)، والتي ستعود بالمليارات على طهران المتوثبة للسخاء أكثر على حلفائها، وذلك لأن عدم الاتفاق على منع تطور طهران النووي سيدفع بـ«الجمهورية الإسلامية» إلى المستوى النووي الذي تخشاه أميركا، وتالياً إلى سباق نووي شرق أوسطي.

أما إصرار الولايات المتحدة على إبقاء الحرس الثوري على لائحة العقوبات، فمرده إلى ان هذه المؤسسة ليست فقط عسكرية بل لديها مشاريع اقتصادية هائلة، ولا تريد إعطاء طهران هذه الورقة بسهولة.

وتعتقد واشنطن أن ممارسة الضغوطات على طهران يمكن أن يدفعها إلى خفض تشددها بما خص رفع الحرس الثوري عن لائحة العقوبات.

هذا، في اعتقاد أميركا، أنه سيمكنها من فرض العقوبات بعد التوقيع على الاتفاق النووي - إذا ما قبلت (ولن تقبل) إيران المضي بالاتفاق وإبقاء الحرس على لائحة الإرهاب - بعناوين مختلفة.

أما إيران فهي لا تريد خسارة التقدم النووي والعلمي التي وصلت إليه مقابل تنازلات نفطية أو مادية أو رفع عقوبات ستعاود أميركا وضعها من جديد.

فتلك العقوبات ومنذ انتصار الثورة، لم تمنع تقدمها ولا تطوير مقتدرات حلفائها، وتالياً فهي لن تقبل التسليم باتفاق أعرج بل بشروطها هي.

لقد أعلنت طهران أن هناك 17 سفينة يونانية موجودة مقابل مياهها وخلجانها وانها تستطيع مصادرتها إذا ما استمرت أثينا في سياستها.

ولكن الرسالة لم تكن موجهة إلى اليونان، بل إلى الولايات المتحدة في الدرجة الأولى وللعالم، وهي تنطوي على انه لن يتمكن أحد من الحصول على النفط الذي يبحر من الشرق الأوسط (19 في المئة من احتياجات العالم) إذا لم تستطع طهران بيع نفطها واستمرت أميركا بعقوباتها وبقرصنة النفط الإيراني.

من الواضح أن العالم يدفع ثمن العقوبات القصوى التي تفرضها أميركا على روسيا وإيران وفنزويلا عبر ارتفاع أسعار المواد الغذائية إلى مستوى غير مسبوق.

وقد دفعت الولايات المتحدة، دولة أوروبية في مواجهة إيران، اعتقاداً منها ان طهران ستتردد في مواجهة اليونان التي هي جزء من المجموعة الأوروبية وعضو في حلف شمال الأطلسي، (الناتو).

ولم تدرك واشنطن أن طهران لا تستطيع التغاضي عن أي تحرش من دون فرض معادلة الردع لكي لا تخسر الهيبة التي نجحت بفرضها على أعدائها.

ما يحصل ليس بعيداً عن حماية الاحادية الأميركية على العالم.

ويبدو أنه من المتوقع أن يتحول هذا الصيف أكثر سخونة مما هو عليه اليوم ما دام اشتباك الأشهر الأخيرة قبل التوقيع النهائي للاتفاق النووي قائماً.